الضريبة بين الرأي الاقتصادي.. و الخلط السياسي!!
محمد الكوري ولد العربي..
في موضوع الضريبة على الهواتف، لم أشارك في التفاعل فيه لأسباب، لعل أولها ضعف الزاد المعرفي في المواضيع ذات الصلة بالمال، و الثاني لوجود طوفان من الغوغاء الفيسبوكية التي لا تترك متنفسالأصحاب الاختصاص، من خبراء البلاد، يسهمون في تنوير الرأي العام بالموضوعية في أمور الشأن العام و ما يثيره من اهتمامات لدى الجميع: الحكومة و الشعب!
و في سياق هذا الخوض المتضارب في الضرائب و في غيرها من الأمور كافة ؛ حيث يوجب كل فرد على نفسه الحديث، بتعبير الشيخ الرباني المحبوب الحاج المشري، في ما يعرف و ما لا يعرف، أرى من الموضوعية و من المفيد تقسيم موضوع الضريبة إلى ثلاثة مستويات، تسهيلا للنقاش و طلبا للفائدة:
● المستوى الأول: هل ما يناقش هو مبدأ فرض الضريبة في الدولة الحديثة... هذا لا ينبغي أن يكون مثار نقاش و لا جدال... فالضريبة أحد أهم ركائز ميزانية الدولة التي لا غنى عنها مثلها مثل موارد ميزانية الأخرى، و من المعيب إيهام العوام بإمكانية استمرار الدولة من دونها... .
● المستوى الثاني، يتعلق بعدالة الضريبة ، فهل هي تتماشى مع واقع الناس و حجم الأرباح الفعلية للنشاطات التجارية و الخدمية؟...
● المستوى الثالث، يتعلق بالتسيير المستقيم و النزيه للضرائب، فهل الضرائب التي تفرض على الأنشطة الاقتصادية للمواطنين تستثمر في خدمة المصالح العمومية للمجتمع و الدولة، أم تذهب لجيوب الفاسدين ... هذا موضوع آخر!
● المستوى الأخير يتعلق بالوضع السياسي و المعيشي للناس، فهل ما ينقاش هو ما إذا كانت الظروف السياسية مناسبة لفرض ضريبة جديدة أو رفع مقدار ضريبة قديمة ، بغض النظر عن شرعيتها القانونية، و هل ظروف الناس المعيشية، حتى الأغلبية غير المعنية منهم بالضرائب، تساعد في إصدار و تعميم ضرائب جديدة؟ هذا موضوع آخر.
إن الأجوبة على هذه المستويات لم أجدها في هذا الخوض الخاص هذه الأيام بالضريبة على الهواتف، و كان يوتجب فك ارتباط هذه الخيوط عن بعضها: فهل المرفوض هو مبدأ الضريبة على الهواتف لأنها كانت معفية من الضريبة من قبل و المطلوب هو الإبقاء على هذا النشاط التجاري معفيا من الضريبة؟ هذا رأي قرأناه ، و هو عديم المعنى، إذ كيف يدفع مواطنون يزاولون أنشطة أضعف مردودا ماليا للضريبة و لا يقف معهم أحد ، و يستثنى نشاط اقتصادي أكبر ريعا بكل الأحوال من ربح حانوت تقسيط ! أم أن السخط الشعبي تسبب فيه تنظيم هذا النشاط و ربطه بالدورة الاقتصادية للدولة، و المطلوب هو ترك بعض الأنشطة خارج الوعاء الضريبي و التنظيم المالي ذي الصلة ؟ أم أن الاحتجاج نتج عن الإجحاف من قبل الحكومة في هذه الضريبة و عدم مراعاتها للعائد الضعيف من وراء الاتجار بهذه الأجهزة، و هذا أمر مرفوض و واضح و يستوجب المؤازرة العامة مع الضحايا؟ أم أن وجه الاعتراض، في موضوع الضريبة على الهواتف، يتعلق بغياب الثقة في الدولة و أجهزتها الجبائية و السطو على أموال الناس تحت عنوان الضرائب؟، و هذا موضوع آخر و شامل لكل الأنشطة الاقتصادية في البلاد، و ليس قطاع التجارة في الهواتف استثناء ... أم أن الأمر يرتبط بغياب البصيرة لدى الحكومة عندما تفرض ضريبة أو تزيد في مقدار أخرى في ظرفية وطنية غير مناسبة و في ظروف إقليمية و دولية ملتهبة؟ بمعنى أن الضريبة شرعية لكن الظرفية غبر مناسبة ! ... أم أن هذه الهبة برمتها ،في موضوع الضريبة على الهواتف و استخدام الهواتف ، تخفي وراءها صراعا سياسيا و اقتصاديا بين أجنحة السلطة التي أصبح كل منها يمتلك " مليشيا " إعلامية" أو ما كان يسمى في عهد إماراتنا القديمة ب" الشيشاطة" تنشط على شبكات التواصل الاجتماعي تحت الطلب و مقدار الأجرة على الكلمة، ضد هذا و مع هذا ؟!
حددوا لنا، نحن البسطاء، مجال النقاش. .
● شخصيا، لا أعرف على نحو دقيق ما يجري... ما أعرفه أنني لا أفهم في مجال الاقتصاد إلا العموميات، و ما أعرفه أنني لا تربطني صلة على أي مستوى كان، بأي جناح من أجنحة النظام المتصارعة، لا على المستوى الوطني و لا على مستوى المحليات السياسية ، أو الأحلاف الجهوية ...
● إنما أعرفه أن لي إخوة و رفاقا و معارف نبلاء يعيشون بعرق الجبين في هذا النشاط ، و فضلوه على الهجرة خارج وطنهم، برغم ما يعانونه من ظلم و إكراه على البؤس! و أعرف أن حركة هؤلاء الشباب من حقهم لفرض مبدأ و واقع العدالة في الضريبة على نشاطهم، لتوفير لقمة العيش الكريم لعوائلهم؛ فلا تختطفوا نضالهم و سلميته، و لا تلوثوا صورة شرعيته لتؤمنوا لكم مكانة في سفينة النظام أو لترموا خصومكم منها !
● لقد قرأت من بين السيل الجارف من التعليقات و التدوينات ، في هذا الموضوع، مقالات وازنة و رصينة في شكلها لكنها مشبعة بالسياسة و المواقف المقصودة في الصراع بين فرقاء النظام، و اطلعت أيضا على ضحالة و سفاهة كثير مما يكتب في الدفاع عن الحكومة ، لأنها، فيما يبدو فضلت التركيز على كمية الغوغاء للدفاع عنها، بدلا من جودة المردود مع قلة أهله !
● و من أغرب ما قرأت في هذا الموضوع موقفا مؤسسا على خلفيتين مختلفتين لكنهما بالنتيجة النهائية متفقتان: موقف يدعو للعصيان العمومي ضد دفع الضريبة للدولة لأنها ، بحسب " الدينيين" لم تكن موجودة بهذه الطريقة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم ، و الموقف الآخر، من قبل المهاجرين عن البلاد بسبب الفساد فيها، يدعو أصحابه للعصيان و منع الضريبة ، لأن الدولة يسيرها فاسدون! و كلا الموقفين ، بسطحية مريحة، يدعو للقضاء على الدولة الموريتانية : فإذا طبقنا رأي الإخوة " الدينيين" و " المهاجرين الناقمين" ، فهذا يعني القضاء المبرم على جميع المرافق و المنشآت و الخدمات العمومية للدولة المعاصرة ... فمن أين نحصل على النزر القليل من هذه الخدمات؟ و كيف يعوض الباقون من الموريتانيين في جحيم البلد هذا النزر الضئيل من الخدمات الذي " يجود" به الفاسدون علينا، باعتباره منة و إكرامية منهم!
إرحمونا أيها " الدينيون" و المهاجرون، فلا نحن في زمن النبوة و رحمتها، و لا نحن في دول أمريكا و أوروبا و رفاهيتها!
نحن في موريتانيا، لا يقضى علينا فنموت، و لا يخفف عنا من عذابها...
محمدالكوري ولدالعربي




