ليس الخلاف في أن لكل مواطن، منتخبًا كان أو غير منتخب، الحق في إبداء رأيه والدفاع عن قناعاته السياسية، فذلك من صميم الحريات التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية. لكن هذا الحق، شأنه شأن سائر الحقوق، يقف عند حدود الدستور، لأنه المرجعية العليا التي تستمد منها جميع السلطات مشروعيتها.
فالشرعية الانتخابية ليست تفويضًا مطلقًا، ولا تمنح صاحبها سلطة تجاوز الوثيقة الدستورية أو الدعوة إلى الالتفاف عليها. فالمنتخب يكتسب شرعيته من الدستور، ولا يكتسب سلطة تعلو عليه. ومن ثم، فإن الاحتجاج بالصفة الانتخابية لتبرير الدعوة إلى خرق النص الدستوري أو تجاوزه، هو خلط بين شرعية يمنحها صندوق الاقتراع، وشرعية يؤسسها العقد الدستوري الذي ارتضته الأمة.
ثم إن الاستناد إلى الإرادة الشعبية في مثل هذه القضايا يقتضي كثيرًا من التحفظ، خاصة في مجتمعات لا تزال العملية الانتخابية فيها تتأثر بعوامل المال والنفوذ، والولاءات التقليدية، والضغوط الاجتماعية والإدارية، بل وأحيانًا بشراء الأصوات أو التخويف أو استغلال حاجة الناس. وفي مثل هذا الواقع، لا يجوز لأي منتخب، مهما كان حجم الأصوات التي حصل عليها، أن يدّعي أنه يتحدث باسم الأمة كلها، أو أن يجعل من فوزه الانتخابي تفويضًا مفتوحًا لتغيير قواعد النظام الدستوري.
ويزداد الأمر حساسية عندما يكون بعض من وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يصنعهم تاريخ من الحضور الوطني أو التأثير الشعبي، وإنما صنعتهم موازين النفوذ وفرضتهم السلطة على المشهد السياسي، ثم جاء الاقتراع ليضفي على ذلك الواقع غطاءً قانونيًا. فالانتخاب، مهما كانت أهميته، لا يمحو الظروف التي أحاطت به، ولا يحول صاحبه إلى مرجعية فوق الدستور.
أما القول إن معارضة هذه الدعوات تمثل تضييقًا على حرية الرأي، فهو قلبٌ للحقائق. فالدفاع عن الدستور ليس عداءً للديمقراطية، بل هو دفاع عن شرط وجودها. ذلك أن الديمقراطية لا تقوم على حكم الأغلبية وحده، وإنما تقوم أيضًا على احترام القواعد الدستورية التي تضمن تداول السلطة وتحمي الدولة من نزوات الأشخاص وتقلبات المصالح.
وقد يكون الشعب، لأسباب تاريخية وتعليمية واجتماعية، عرضة للتأثير والتوجيه، لكن ذلك لا يعني غياب الضمير الوطني. فهناك دائمًا نخبة من رجال الفكر والقانون والسياسة، قد تُغيَّب أو تُهمَّش، لكنها تبقى الحارس الأخلاقي للفكرة الدستورية. وإذا ارتفع صوت أحد أفرادها معترضًا على مسلك يراه مخالفًا للمصلحة الوطنية أو مناقضًا لروح الدستور، فلا ينبغي أن يُقدَّم للرأي العام على أنه شذوذ عن الإجماع، بل هو أداء لواجب وطني يفرضه الضمير قبل السياسة.
إن احترام الدستور لا يكون حين يوافق أهواءنا، وإنما حين يقيّدها. وقيمة الوثيقة الدستورية أنها تضع حدودًا للجميع؛ للحاكم كما للمحكوم، وللأغلبية كما للأقلية، وللمنتخب كما للناخب. فإذا أصبحت الشرعية الانتخابية مبررًا لتجاوز هذه الحدود، فقدت الدولة ضمانتها الأساسية، وتحول الدستور إلى نص يُحتكم إليه عند الحاجة، ويُتجاوز عند الرغبة.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تعني أن كل ما يريده المنتخب يصبح مشروعًا، وإنما تعني أن الجميع، مهما علت مناصبهم، يقفون عند حدود الدستور، لأنه وحده التعبير الأسمى عن سيادة الأمة، والضامن لاستمرار الدولة، والحصن الذي لا يجوز أن تتجاوزه أي شرعية أخرى.
حماد سيدمحمدآبت




