ليس أصعب من أن يكون الإنسان كبيرًا، وليس أسهل من أن يبدو كذلك.
لقد تغير العالم. ففي الماضي، كانت النجومية تنشأ من تراكم التجربة، ومن امتحان الزمن، ومن اعتراف الناس بقيمة صاحبها. أما اليوم، فقد أصبحت صناعة النجوم جزءًا من صناعة الصورة؛ تنتجها الكاميرا، وتضخمها منصات التواصل، وتعيد نشرها آلاف المرات حتى يلتبس الوهم بالحقيقة.
إننا نعيش عصرًا أصبح فيه الوصول إلى الناس أسهل من الوصول إلى قلوبهم. يستطيع أي شخص أن يشتري مساحة في المشهد، وأن يحتشد حوله الناس لساعات، وأن تلتقط له عشرات الصور من زوايا مختلفة، ثم يستيقظ في اليوم التالي وقد أقنع كثيرين بأنه أصبح رقمًا صعبًا.
لكن تبقى هناك جهة واحدة يستحيل خداعها...
النفس.
فالإنسان قد يخدع الجمهور، وقد يخدع خصومه، وقد يجد دائمًا من يصفق له طمعًا أو خوفًا أو انتظارًا لمنفعة، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه. إنه يعرف، في لحظات الصمت، أين تبدأ الحقيقة وأين ينتهي التمثيل.
ولذلك، فإن أكثر الناس إدراكًا لزيف النجومية المصنوعة هم الذين صنعوها.
يذكر تراثنا أن طالبًا اغترب عن أهله سنين طلبًا للعلم، فلقي رجلًا قال له: لقد جئت من عند أهلك، وأخذ يحدثه عن أحوالهم، فابتسم الطالب وقال: "يأتيني من عند أهلي من أنا أعرف منه بحالهم." لم يكن يشكك في الرجل، لكنه كان يقرر حقيقة بسيطة؛ وهي أن صاحب الشأن أعلم بحقيقة شأنه من كل الرواة.
وفي المأثور الشعبي أيضًا أن رجلًا زهد في زوجته، فجاءته نسوة يعددن له محاسنها وزينتها، فقال كلمته البليغة: "أنا أعرف بها من آمجون." وآمجون هو الحلي الذي كانت النساء يتزين به. أراد أن يقول: لا تحدثوني عما أعرفه أكثر منكم.
وهذا هو حال كثير من النجوم المصنوعة. يحدثهم الناس عن شعبيتهم، ويكتب لهم المادحون قصائد الإعجاب، وتلتقط لهم الكاميرات صور الحشود، بينما هم يعرفون، أكثر من غيرهم، كيف جاءت تلك الحشود، ومن دفع ثمن الرحلة، ومن هيأ وسائل النقل، ومن فتح أبواب الإدارة، ومن استخدم النفوذ العام ليصنع مشهدًا خاصًا.
إن النفوذ الذي يستند إلى وسائل الدولة ليس دليلًا على المحبة، كما أن كثرة الحشود ليست برهانًا على المكانة. فالسلطة تستطيع أن تجمع الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تشتري الضمائر، والمال قد يملأ الساحات، لكنه لا يملأ القلوب.
وهنا يكمن الفارق بين من يصنعه الإعلام، ومن يصنعه التاريخ.
فالإعلام يمنحك صورة، أما التاريخ فلا يمنحك إلا مكانك الحقيقي.
ومن هنا فإن الحشد، مهما بلغ، لا ينبغي أن يكون معيارًا للوزن السياسي أو الاجتماعي، لأن الجماهير قد تأتي لأسباب كثيرة؛ بدافع المصلحة، أو الخوف، أو الفضول، أو المجاملة، أو انتظار المقابل. أما الثقة، فلا تأتي إلا من اقتناع حر، ولا تستقر إلا حيث يجد الناس الصدق والكفاءة.
ولعل أخطر ما يصيب الحياة العامة أن يختلط التصفيق بالتأييد، وأن تُحسب الحشود رأيًا عامًا، وأن تتحول الصورة إلى بديل عن الحقيقة.
فالصورة تعيش يومًا...
أما الحقيقة، فإنها تعيش ما بقي التاريخ
حم سيدي محمدآباتي




