هل بمقدور الزاوي السوننكي أن ينتصر لغير الثقافة العربية الإسلامية؟ وهل أصيب الزاوي السوننكي بالزهايمر حتى نسي جرائم المحتل الفرنسي الوحشية والمدمرة بحق الثقافة السوننكية العربية الإسلامية ؟
أم أصبح يبدي تعاطفا مع الثقافة الفرنسية الغازية؟!
والحق ما شهد به الأعداء، والاعتراف سيد الأدلة فقد كشفت التقارير الاستخبارية الفرنسية التي أُنجزت في باريس خلال شهري يوليو وأغسطس سنة 1908م أن الفرنسيين أحرقوا عدة مكتبات في كيديماغا السوننكية، في جريمة وحشية مدمرة للثقافة الإسلامية العربية السوننكية
وقد ارتكب هذه الجريمة المقدم هنري أفري، الذي وصف بنفسه محرقة مكتبات قرية قاني السوننكية، تلك القرية التي جُمعت فيها كتب مشايخ كيديماغا، وأُحرقت في يوم مشؤوم، هو 13 مايو سنة 1886م، قائلًا:
«من هذه النار المتقدة تتصاعد ألسنة اللهب ذات الألوان المتوهجة، وتنثني في كل اتجاه، كأنما هي تعرجات ثعابين من النار المتماوجة العظيمة، تسلط أضواء مشؤومة على مياه النهر وتلقي بظلالها ذات الألوان القانية على قرية قاني السوننكية الثرية. ولن يبقى بعد قليل إلا جدران الأخصاص وقد اسودّت من أثر النار».
ويعلق الباحث السوننكي السنغالي، الدكتور عبد الله باتيلي على هذه المشاهد بقوله إن هذا المشهد تكرر مائة مرة على الأقل في كيديماغا
ولم تكن محرقة قاني حادثة معزولة، بل توالت عمليات إحراق المكتبات السوننكية، ومنها:
- في 13 أبريل، أُحرقت مكتبات قرية بنغازي.
- في 14 أبريل، أُحرقت مكتبات قريتي بامبيلا وبوخورو.
- في 16 أبريل، أُحرقت مكتبات قمو
- في 19 أبريل، أُحرقت مكتبة قندقوندمون.
- في 20 أبريل، أُحرقت مكتبات قرى امبيديد ولاني وموصالا
إن هذه الجرائم المرتكبة بحق الثقافة السوننكية العربية الإسلامية هي التي دفعت الزوايا السوننكية إلى تأسيس اتحاد لها بقيادة الشيخ فودي إسماعيلا وبدعم من فرغانكوبي أي المهاجرين الناطقين باللغة البولارية الذين شاركوا في جهاد الحاج عمر الفوتي، قبل أن يُجليهم الجنرال أرشنال من منطقة نوارا.
وكان على رأس هؤلاء تيرنو بوبكر جالو، نزيل مدينة سيلبابي الذي اضطلع بدور في تحريض الزوايا السوننكية على التمرد على المحتل الفرنسي
كما تحالفت الزوايا السوننكية مع القبائل البيضانية المجاورة ومنها أهل سيدي محمود في لعصابة، في مسعى لطرد فرنسا ومقاومة هيمنتها الثقافية
لكن المحتل الفرنسي سرعان ما علم بهذا الاتحاد الناشئ، فأصدر الحاكم الفرنسي وليام بونتي، في 30 سبتمبر 1911م، حكمًا بسجن الشيخ إسماعيلا في ساحل العاج عشر سنوات، حيث بقي هناك حتى استشهد
وعن تأثير هذا الاتحاد يكتب الإداري كولمبالي:
«إن الشيوخ السوننكي جميعهم أعداء لنا، بل إن شبه الجمعية التي كوّنوها تقتضي وحدة آرائهم حول التعليم القرآني الذي يقدمونه، وربما وحدة آمالهم السياسية».
وفي بحث آخر أنجزه غوستاف أودان، حاكم سيلبابي سنة 1912م ورد:
«إن ثلاثة ومائة شيخ سوننكي من أصل مائة وخمسة وثلاثين مناهضون للوجود الفرنسي وثقافته».
وفي البحث نفسه يقول:
«إن مدينة سيلبابي وحدها، وهي آنذاك قرية كبيرة، كانت تضم أكثر من خمسين محظرة يرتادها أكثر من 250 طالبًا للعلم الشرعي، بينما لم يزد عدد مرتادي المدرسة الاستعمارية على 14 تلميذًا».
عندما يسكت أهل الحق يزعم أهل الباطل أنهم على صواب!
فهل جنّ جنون أبناء الزوايا السوننكية والبولارية حتى يوكّلوا أمر تقرير مصيرهم الثقافي والحضاري إلى ألمودات موليير؟!
لقد أورثنا المحتل الفرنسي نحن أحفاد الزوايا السوننكية حزنا لا ينقضي، وجرحا تاريخيا لا يندمل، وعداوة لن تمحوها السنون وما ارتكبه بحق علمائنا ومحاظرنا ومكتباتنا وتراثنا ليس صفحة عابرة في التاريخ بل ذاكرة حية ومسؤولية تاريخية لا يجوز التفريط فيها.
إن مقاومة الهيمنة الثقافية الفرنسية ليست تنكرا للغات الشعوب بل دفاع عن هويتنا العربية الإسلامية وتراثنا السوننكي ووفاء لتضحيات أجدادنا الذين قاوموا المحتل دفاعًا عن دينهم وعلمهم وكرامتهم.
بوبكر سيلا / باحث وناشط حقوقي
مقال قديم لي
اتحادالزوايا السنوننكي ضد الثقافة الإفرنجية




