أ.د. أحمد محمودافاه
تمتلك بلادنا مقومات حقيقية تتيح لها الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما في مسارها التنموي مستفيدة من الاستقرار السياسي، وما يتوافر لديها من ثروات معدنية وسمكية وحيوانية، وإمكانات زراعية وطاقوية واعدة، فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يؤهلها للاضطلاع بدور اقتصادي متنام في محيطها الإقليمي والدولي.
وتزداد أهمية هذه الفرص في ظل توجه الحكومة الجديدة نحو مواصلة الإصلاحات وتعزيز التشغيل وتحسين الخدمات العامة...
غير أن توفر الإمكانات لا يعني بالضرورة تحقق التنمية؛ فالفارق بين الدول التي تنجح في استثمار مواردها وتلك التي تظل أسيرة التحديات يكمن في جودة السياسات وكفاءة المؤسسات، والقدرة على تحويل الثروات إلى قيمة مضافة وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين.
ورغم أهمية تنوع الاقتصاد الوطني وما لدينا من ثروات معدنية وغازية، إلا انها لا ينبغي أن تظل المصدر الأساسي للنمو، بل يجب أن تشكل رافعة لتطوير قطاعات أخرى في مقدمتها الزراعة والتنمية الحيوانية والصيد البحري والصناعات التحويلية والطاقة المتجددة.
إن بناء سلاسل إنتاج وطنية، وتطوير التخزين والتصنيع والتسويق من شأنه أن يرفع القيمة المضافة للموارد المحلية، ويحد من التبعية للاستيراد ويوسع فرص العمل أمام الشباب.
ويشكل الاستثمار في الإنسان والمجال الترابي حجر الزاوية في اي عملية نهوض. فلا تنمية حقيقية من دون تعليم جيد، وتكوين مهني يستجيب لحاجات سوق العمل، وخدمات صحية لائقة وبنية تحتية تتيح للمواطنين المشاركة في النشاط الاقتصادي. كما أن تحقيق تنمية متوازنة يقتضي الاهتمام بالولايات الداخلية والمناطق الريفية، وتطوير اللامركزية، وتمكين الجماعات المحلية من أداء أدوارها التنموية في إطار واضح من الصلاحيات والموارد والمساءلة.
وتبرز في هذا السياق ضرورة جعل الشباب محورا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال دعم مبادرات المقاولات، وتيسير الوصول إلى التمويل وتحسين مناخ الاستثمار وربط التكوين بالتشغيل. فالثروة البشرية ليست عبءً على الاقتصاد بل هي أهم موارده متى أُحسن تأهيلها وتوجيه طاقاتها.
وتبقى جودة الحكامة شرطا حاسما لإنجاح هذا المسار، بعيدا عن أساليب التشكيك والتثبيط، وتغليب المصلحة الذاتية للبعض تحت غطاء الدفاع عن حصانة أو غيرها... كما أن الاستقرار السياسي يوفر بيئة ملائمة للتخطيط طويل الأمد، لكنه إلى ذلك يحتاج إلى مؤسسات فعالة وإدارة عصرية، وشفافية في تدبير المال العام، ومكافحة جادة للفساد وتكافؤ في الفرص، وتطبيق للقانون دون تمييز.
ويتطلب الأمر إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والنخب العلمية والأكاديمية في صياغة الأولويات ومتابعة تنفيذها، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.
من هنا فإن جدية الحكومة الجديدة ينبغي أن لا تقاس بحجم البرامج المعلنة حسب، وإنما بقدرتها ايضا على تحديد أولويات واقعية، وتنفيذها ضمن آجال واضحة، ونشر نتائجها بشفافية.
لكن ينبغي بالمقابل أن تمنح فرصة كافية، وبقدر من التفاؤل والإيجابية... وبما يمكّنها من إعداد وتنفيذ خطة تنموية قابلة للقياس تتضمن أهدافا محددة في التشغيل والتعليم والصحة والمياه والطاقة والبنية التحتية... إلى جانب ترسيخ العدالة الاجتماعية وتوسيع الحماية للفئات الأكثر احتياجا، ومحاربة الفقر وضمان استفادة المواطنين من عائدات الثروات الوطنية. فالتنمية التي لا تنعكس على حياة الناس تظل ناقصة مهما سجلت المؤشرات الاقتصادية من نمو.
إن بلادنا ليست فقيرة بالإمكانات، لكنها مطالبة بتحويل إمكاناتها إلى منجزات. وبين الاستقرار السياسي والموارد الواعدة والطموح إلى الإصلاح، تتوافر عناصر يمكن البناء عليها بثقة، ويبقى الرهان الحقيقي في حسن ترتيب الأولويات واستمرارية السياسات الناجحة، وربط المسؤولية بالمحاسبة وإعلاء قيمة العمل والإنتاج والكفاءة.
إن التفاؤل بمستقبل البلاد مبرر بقدر ما يستند إلى قراءة واقعية للفرص والتحديات. وإذا اقترنت إرادة الإصلاح التي عبرت عنها الحكومة الجديدة بفعالية التنفيذ، واتسعت المشاركة الوطنية، وأصبحت كرامة المواطن وتحسين شروط عيشه معيارا أساسيا لقياس النجاح، فإن بلادنا بعون الله تستطيع أن تخطو خطوات مهمة نحو نهوض تنموي حقيقي، أكثر عدلا واستدامة، وأكثر قدرة على تحويل ثرواتها إلى مستقبل أفضل لأبنائها.




