أيتها الحقيقة، لا يظفر بكِ إلا سُعداء الفطرة، أولئك الذين لم تُفسد بصيرتهم كثرةُ الجدل، ولم تُثقِل أرواحهم أوهامُ التعقيد، فظلّت في داخلهم نافذةٌ مفتوحة على المعنى، يرون منها ما لا تراه العيون حين تستبدّ بها الضوضاء.
ما الطبيعة من حولنا إلا كتابٌ مفتوح، لا يقرأه حق القراءة إلا من امتلك قلبًا سليمًا وعقلًا متأملًا. في تعاقب الليل والنهار، وفي انتظام الأفلاك، وفي ميلاد الإنسان ونموّه، وفي قطرة الماء التي تنزل من السماء فتوقظ الأرض بعد موتها، إشاراتٌ صامتة تقول للمتأمل: إن وراء هذا الجمال نظامًا، ووراء النظام حكمة، ووراء الحكمة حقيقةً أكبر من أن تكون محض مصادفة.
ولذلك كان الإيمان في أصفى صوره ليس هروبًا من العقل، بل ثمرةً من ثمرات العقل حين يتواضع أمام ما هو أعظم منه. فالعقل يسأل، والفطرة تستأنس بالجواب، والطبيعة تضع أمامهما الشواهد، ويبقى الإنسان بين ذلك كله مدعوًّا إلى التأمل لا إلى المكابرة.
إن أعظم ما يفسد علاقتنا بالحقيقة ليس نقص الأدلة، وإنما كثرة الحجب التي نصنعها نحن: غرور المعرفة، وضجيج الأهواء، والتعصب للرأي، والخوف من الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين.
وقد يرى الإنسان الحقيقة واضحةً أمامه، ثم يصرف عنها بصره لأن الاعتراف بها قد يكلّفه شيئًا من كبريائه. بينما الفطرة السليمة لا تحتاج دائمًا إلى كثير من البراهين؛ يكفيها أن تتأمل الكون بصدق، وأن تصغي إلى ذلك النداء العميق المستقر في النفس: أن هذا الوجود ليس عبثًا، وأن للجمال مصدرًا، وللنظام مبدعًا، وللحياة معنى.
سُعداء الفطرة هم الذين لم يفقدوا القدرة على الدهشة؛ ينظرون إلى السماء فلا يرون مجرد فضاء، وإلى البحر فلا يرون مجرد ماء، وإلى الإنسان فلا يرون مجرد جسد، بل يرون في كل ذلك أثرًا يقود إلى مؤثر، وآيةً تشير إلى صاحب الآية.
ولعل أجمل طريق إلى الحقيقة هو ذلك الذي يجمع بين صفاء القلب ونزاهة العقل؛ فلا عقلٌ متكبّر يغلق أبواب الإيمان، ولا عاطفةٌ عمياء تعطل السؤال، وإنما إنسانٌ متزن يسأل ليعرف، ويتأمل ليبصر، ويؤمن حين يجد في أعماقه وخارجها من الدلائل ما يطمئن إليه.
فيا أيتها الحقيقة، ما أبعدنا عنكِ حين نبحث عنكِ في ضجيج الخصومات، وما أقربنا إليكِ حين نعود إلى فطرتنا الأولى!
ربما لا تحتاج الحقيقة إلى أن ترفع صوتها؛ فهي هادئة كالفجر، واضحة كالنور، وقريبة من القلب الذي لم تلوثه الأهواء.
وما الطبيعة كلها إلا إيمانٌ صامت بكِ، ودليلٌ ممتدّ عليكِ، وآيةٌ كبرى لمن أراد أن يرى… لا لمن اكتفى بأن ينظر.
مع تحياتي للجميع.
عبدالله محمدالحيمر




