انواكشوط بين الظلام والماء: حين تكشف الأزمات حقيقة البنية التحتية

بواسطة yahya

 

لم تكن نواكشوط خلال الأيام الماضية تعيش مجرد انقطاع عابر للكهرباء، ولا مجرد أمطار موسمية اعتاد عليها سكان العاصمة، وإنما وجدت نفسها أمام مشهد يكشف، في وقت واحد، هشاشة منظومتين من أهم منظومات الحياة الحضرية: الكهرباء والصرف الصحي.

فبعد الحريقين اللذين تعرضت لهما محطتا التحويل في نواكشوط الشمالية والغربية يومي الجمعة والسبت، دخلت أحياء واسعة من العاصمة في ظلام طويل، وتعطلت مصالح المواطنين، وتأثرت أنشطة تجارية وخدمية، وبرزت من جديد هشاشة شبكة الكهرباء أمام أعطاب كبيرة بهذا الحجم. وقد أكدت المعطيات المنشورة أن الحريق الأول أصاب المحطة الشرقية، بينما أصاب الثاني محطة التحويل في نواكشوط الغربية، مما تسبب في اضطرابات واسعة في التغذية الكهربائية.

ثم جاء المطر مساء الثلاثاء 25 أغسطس ليضيف إلى أزمة الكهرباء أزمة أخرى؛ فقد سجلت العاصمة كميات متفاوتة بلغت 35 ملم في دار النعيم، و30 ملم في الميناء، و27 ملم في توجنين، و25 ملم في تفرغ زينة، وهي كميات ليست استثنائية بالضرورة، لكنها كانت كافية لتكشف أن منظومة تصريف مياه الأمطار لا تزال بعيدة عن مستوى مدينة يفترض أنها تتوسع عمرانيا وسكانيا كل عام. وقد أعلنت فرق الصرف الصحي تدخلها في عشرات المواقع لشفط المياه، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى شبكات لتصريف مياه الأمطار.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل سؤالا بسيطا: كيف يمكن لعاصمة دولة أن تتعطل فيها الكهرباء بهذا الحجم بسبب احتراق محطتين، ثم تكشف أمطار ليلة واحدة أن المياه أيضا قادرة على شل شوارعها وأحيائها؟

المشكلة إذن ليست في المطر وحده، كما أنها ليست في الحريق وحده. المشكلة الأعمق هي في قدرة البنية التحتية على الصمود عندما تتعرض لاختبار حقيقي.

بين الاعتذار وتفسير الأزمة

الوزير الأول المختار ولد أجاي حاول تقديم تفسير للحريقين، فقال إن المحطتين اللتين تعرضتا للحريق شُيدتا عامي 2014 و2015، أي خلال فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ونفى أن تكون التجهيزات الجديدة المقتناة في إطار برنامج تنمية نواكشوط قد ركبت فيهما، موضحا أن بعضها لا يزال في المخازن، وبعضها الآخر في الطريق إلى نواكشوط.

من حيث المبدأ، لا مشكلة في أن تعرض الحكومة الحقائق الفنية أمام المواطنين، بل إن ذلك واجبها. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول تحديد تاريخ بناء المنشأة إلى ما يشبه الدفاع السياسي عن الحاضر بإلقاء المسؤولية على الماضي.

فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط: من بنى المحطة؟ ومتى بنيت؟

إنما يريد أن يعرف أيضا:

من كان مسؤولا عن صيانتها؟

هل كانت حالتها الفنية معروفة؟

هل كانت التقارير الفنية تحذر من مخاطر محددة؟

لماذا لم تستبدل التجهيزات القديمة في الوقت المناسب؟

ولماذا بقيت تجهيزات جديدة في المخازن أو في الطريق بينما منشآت حيوية تعمل بتجهيزات قديمة؟

وهذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: هل بنيت المحطة سنة 2014 أم 2015؟

واللافت أن الوزير الأول نفسه تحدث في عام 2025 عن مشاكل تراكمية في شبكة الكهرباء، بينها تهالك أجزاء من الشبكة ومحدودية الإنتاج، وأشار إلى مشاريع لتبديل شبكات متهالكة وإنشاء محولات جديدة ضمن البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.

إذا كانت الشبكة تعاني من التهالك منذ سنوات، وإذا كانت الحكومة تعرف ذلك، وإذا كان برنامج تنمية نواكشوط قد جاء أصلا لمعالجة جزء من هذه الاختلالات، فإن السؤال المنطقي ليس فقط: من أنشأ المحطات؟

بل: ماذا فعلنا منذ اكتشاف مكامن الخلل؟

حين يصبح الماضي شماعة للحاضر

هناك جانب سياسي آخر في تصريحات الوزير الأول لا يمكن تجاهله، وهو أن تذكير الناس بأن المحطتين شُيدتا في 2014 و2015 يعيد إلى الذاكرة خطابا سياسيا سابقا للوزير الأول نفسه.

فقد سبق لولد أجاي، في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، أن قال عبارة أثارت يومها كثيرا من الجدل، مفادها أن عزيز «أهم عندنا من الماء والكهرباء والمدارس». كما نُسب إليه أيضا موقف أكثر ارتباطا بأزمة الخدمات، مفاده أن ما لم يُحل في زمن عزيز من مشكلة الماء والكهرباء فلن يكون من السهل حله في زمن آخر.

ولذلك يرى بعض المتابعين اليوم مفارقة سياسية لافتة: الرجل الذي كان بالأمس يضع ولاءه السياسي للرئيس فوق الماء والكهرباء والمدارس، يجد نفسه اليوم مضطرا إلى الحديث عن عمر المنشآت التي احترقت، وكأن الماضي هو الذي ينبغي أن يجيب عن أسئلة الحاضر.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا الاستنتاج، مهما كان جذابا سياسيا، لا يكفي وحده لإثبات مسؤولية أحد عن الحريقين. فالمسؤولية الفنية والإدارية يجب أن يحددها التحقيق، لا الخطاب السياسي.

ولهذا فإن قرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الحريقين وتحديد المسؤوليات يمثل خطوة ضرورية، والأهم أن تكون نتائج التحقيق واضحة وعلنية، وأن تتناول الأسباب المباشرة وغير المباشرة، ومدى جاهزية المنشآت، وفعالية الصيانة والإطفاء، وكيفية إدارة الأزمة.

المطر الذي كشف ما تحت الأرض

ولم يكن توقيت الأمطار عاديا من الناحية الرمزية.

فالعاصمة التي قضت أياما في الظلام، استيقظت بعد ذلك على مياه الأمطار وهي تحتل الشوارع والأحياء.

وهنا تتكرر القصة نفسها: منظومة تعمل، لكنها لا تصمد بما يكفي أمام الضغط.

فالمكتب الوطني للصرف الصحي أعلن بالفعل تعبئة فرقه في أكثر من 60 موقعا للتدخل وشفط المياه، وهذا جهد لا ينبغي إنكاره.

لكن السؤال الأكبر يبقى قائما: لماذا لا تزال نواكشوط، بعد كل السنوات والمشاريع والبرامج، تحتاج في كل موسم مطري إلى تعبئة استثنائية من الصهاريج والمضخات لإنقاذ الطرق والأحياء؟

لم يعد مقبولا أن يصبح حلول موسم الأمطار بمثابة إعلان حالة طوارئ سنوية.

فالمدينة تتوسع، والسكان يتزايدون، والعمران يمتد إلى مناطق جديدة، بينما لا يمكن أن تظل الدولة تتعامل مع المياه بعد سقوطها بدلا من أن تبني منظومة تمنع تجمعها وتصرفها بصورة طبيعية.

أزمة الكهرباء والصرف الصحي ليستا قضيتين منفصلتين

قد تبدو الكهرباء والصرف الصحي قطاعين مختلفين، لكن أزمة الأيام الماضية أثبتت أنهما وجهان لمشكلة واحدة: مشكلة البنية التحتية الحضرية وقدرتها على الصمود والاستباق.

الكهرباء تشغل محطات المياه والمرافق الصحية والاتصالات والأنشطة الاقتصادية.

والصرف الصحي يحمي الطرق والمساكن والأسواق والمؤسسات من آثار الأمطار.

وعندما تتعطل الكهرباء، تتعطل خدمات أخرى معها. وعندما تعجز المدينة عن تصريف مياه الأمطار، تصبح الطرق والمرافق نفسها مهددة.

ولهذا فإن الحديث عن «عصرنة نواكشوط» لا ينبغي أن يكون حديثا عن تعبيد شارع هنا، وإنارة طريق هناك، أو تركيب محول جديد في حي معين.

العصرنة الحقيقية هي أن تمتلك العاصمة شبكة كهرباء مرنة، وشبكة صرف فعالة، ونظاما للطوارئ، ومخزونا استراتيجيا من المعدات، وخططا بديلة، وصيانة استباقية، ومحاسبة واضحة.

أما أن ننتظر الحريق حتى نبحث عن المعدات، والمطر حتى نبحث عن المضخات، فذلك ليس تخطيطا؛ بل هو إدارة للأزمة بعد وقوعها.

المواطن لا يريد معركة بين الحكومات

في النهاية، المواطن الموريتاني لا يهمه كثيرا إن كانت المحطة قد بنيت في 2014 أو 2015، ولا إن كان العطل قد بدأ في عهد حكومة سابقة أو حالية.

إنه يريد كهرباء لا تنقطع.

ويريد ماء يصل إلى منزله.

ويريد شارعا لا يتحول إلى بركة بعد المطر.

ويريد مستشفى ومدرسة ومتجرا ومصنعًا يعمل بصورة طبيعية.

ولهذا فإن أفضل اعتذار يمكن أن تقدمه الحكومة ليس تذكير المواطن بعمر المحطة، وإنما تقديم الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وإصلاح الخلل، ومنع تكراره.

وإذا أثبت التحقيق أن التجهيزات القديمة هي السبب، فليقل ذلك بوضوح.

وإذا أثبت وجود تقصير في الصيانة، فليُسمَّ المقصرون.

وإذا أثبت وجود خلل في الصفقات أو في جودة المعدات، فليُكشف الأمر.

وإذا لم يثبت شيء من ذلك، فليخرج التحقيق ليضع حدا للشائعات.

أما أن تبقى نواكشوط بين ظلام الكهرباء ومياه الأمطار، وبين تصريحات الماضي وتبريرات الحاضر، فذلك يعني أن المشكلة أكبر من حريق محطة أو تجمع مياه.

إنها مشكلة رؤية.

والمدن لا تُبنى بالاعتذارات، ولا تُدار بمنطق تحميل الماضي كل أخطاء الحاضر.

المدن تُبنى بالصيانة قبل الانهيار، وبالتخطيط قبل الأزمة، وبالمحاسبة بعد الخطأ.

ولعل الدرس الأهم من أزمة نواكشوط الأخيرة هو أن البنية التحتية لا تُختبر في الأيام العادية، وإنما في اللحظة التي يحدث فيها الحريق، وينزل المطر، وينقطع التيار، ويكتشف المواطن عندها حقيقة ما تملكه دولته من قدرة على الصمود.

حمادي سيدي محمد آباتي