تقديم منهجي
المقصود بالفكر لا التاريخ؛ فتجارب الحكم -بما شابها من ظروفٍ ومصادفاتٍ وعوامل داخليةٍ وخارجية -شأنٌ آخر يستقل عن صميم ما نريد بحثه هنا: البنية النظرية للبعث بوصفها مشروعاً فكرياً متكاملاً في ثلاثة أبعاد: الإنسان والهوية، والمجتمع والاقتصاد، والأمة والتحرر. وبهذا التحديد المنهجي، نستبعد من دائرة البحث كل ما يتصل بمسارات الحكم الفعلية في أي بلدٍ عربي، ونحصر الكلام في نصوص المؤسسين وأدبيات الحركة، سائلين عن أسئلتها الجوهرية: ما البيئة الفكرية التي تكوّنت فيها؟ ما طبيعة قوميتها؟ ما علاقتها بالدين والطبقة والعلم؟ وما وجه تميّزها عن الماركسية؟ وهل هي فكرٌ حيٌّ قابل للنقد أم عقيدةٌ مغلقة؟
أولاً: موضع النشأة بوصفه سؤالاً نظرياً :
تكوّن الفكر البعثي في دمشق بين العشرينيات والأربعينيات، في بيئةٍ اجتماعية من أشد بيئات الشرق العربي تعدداً في الطائفة والعرق والمذهب. وهذا التعدد ليس ظرفاً عرضياً يسبق الفكرة، بل هو -في التحليل النظري - شرطها الأول: فحين تنشأ دعوة قومية جامعة في مجتمعٍ مشرذم طائفياً، فإنها تنشأ لا رغبةً في إضافة هويةٍ جديدة إلى الهويات، بل سعياً إلى هويةٍ فوق-طائفية تلغي وظيفة الطائفة ذاتها في التمييز السياسي. فالفكرة البعثية، في لحظة تكوينها، هي إجابة نظرية عن سؤال طرحه الواقع: كيف نكون أمةً واحدة ونحن متعددون؟ والجواب: نكونها لأن ما يجمعنا -اللغة والتاريخ والمصير -أعمق مما يفرّقنا.
وعليه، فإن انتماء مؤسسي الحركة لمذاهب وأعراق متباينة ليس خبراً سيرياً، بل هو شاهدٌ بنيوي على أن الفكرة صُممت لتكون سقفاً جامعاً، لا سقفاً فوق سقوف.
ثانياً: القومية البعثية: حضارية لا عرقية:
هذا هو التمييز المفاهيمي المحوري في الفكر البعثي كله. فالقوميات الحديثة تنقسم - في التصنيف النظري - إلى صنفين: قوميةٌ بيولوجية-عرقية تجعل الانتماء وراثةً في الدم والسلالة، فلا يدخل فيها إلا من وُلد فيها ولا يخرج منها إلا بالموت؛ وقوميةٌ ثقافية-حضارية تجعل الانتماء إيماناً واختياراً وانتماءً معنوياً إلى لغةٍ وتاريخٍ وقيم.
وقد حسم ميشيل عفلق هذا السؤال حسمًا صريحاً: العروبة عقيدةٌ وإرادةٌ وحضارة، لا لحمٌ ودم. فمن تكلم العربية وعاش في أرضها وتقاسم معها تاريخها وطموحها، وآمن بأن مصيره مصيرها - فهو عربي، وإن جاء من أبٍ شركسي أو أمٍّ أرمنية أو كنيسةٍ مسيحية. بل إن عفلق ذهب إلى أبعد من ذلك فجعل الانتماء القومي في صميمه فعلاً أخلاقياً ووجودياً: إنه الانضواء في مشروع حضاري، لا التسجيل في سجل النسب.
ويجدر التسجيل نظرياً أن هذا الاختيار له نتائج حاسمة على بقية المفاهيم: فالقومية الحضارية تتسق مع الدين (لأنها لا تنازعه على شرعية الوجود البيولوجي)، وتتسق مع العلمانية السياسية (لأنها لا تحتاج إلى النصوص المقدسة لإثبات عضوية أبنائها)، وتتسق مع الانفتاح على غير العربي المستعرب (لأن الباب مفتوحٌ بالاختيار لا مغلقٌ بالنسب). وبهذا المعنى فإن التأسيس الحضاري للقومية هو الحجر الذي قُصفت منه بقية البناية الفكرية.
ثالثاً: العلمانية النظرية: فصلٌ لا عداء
من أكثر ما يُلبس على الفكر البعثي أن علمانيته معاداةٌ للدين. والقراءة النظرية الدقيقة تكشف أن العلمانية في أصلها البعثي ليست موقفاً من جوهر الدين، بل موقفاً من وظيفة الدين في تنظيم السلطة.
فالمقولة المؤسِّسة يمكن صياغتها هكذا: الدين ثابتٌ سماوي، والاجتهاد بشري متغيّر؛ فإذا اقترن الحكم باسم الدين، احتُكر تأويل النصوص، وتحوّل الخلاف الفقهي إلى عداوةٍ سياسية، وصار الدين -الذي هو جامعٌ للقلوب -آلةَ تفرقةٍ بين الحكام والمحكومين. والعلمانية إذن هي ضمانة الدين من السياسة، قبل أن تكون حماية للسياسة من الدين؛ فهي تمنع تحويل الإيمان إلى وظيفةٍ حكومية، وتمنع تحويل الخلافات الاعتقادية إلى جرائم نظام.
ويؤكد هذا الأصل النظري أن مؤسس الفكر نفسه لم ينظر إلى الإسلام بوصفه ديناً للمسلمين فحسب، بل بوصفه - في صياغته المشهورة -“الثورة العربية الكبرى” وروح الحضارة العربية. فالعلمانية البعثية النظرية تستوعب الدين في هوية الأمة، وتستبعده من آلية الحكم؛ وهي بهذا أقرب إلى التوصيف الفقهي العتيق: “أمرُ الدنيا باجتهاد أهلها، وما فيه صلاح الدنيا فهو من الدين”. فالسؤال الذي تطرحه العلمانية البعثية ليس “هل نؤمن؟” بل “من يحكم؟” - وإجابتها: الشعب باجتهاده السياسي، لا النص باحتكاره المقدس.
رابعاً: المجتمع من حيث المفهوم: رفض الطبقية والتراتبية الاستعمارية
ينظر الفكر البعثي إلى البنية الاجتماعية العربية نظرةً تاريخية نقدية: فالتراتبية الاجتماعية التي سادت العمران العربي الحديث (الإقطاع، الأعيان، التجار الوسطاء، الجماهير المحرومة) ليست بنيةً أصيلةً في جسد الأمة، بل مخلفاتٌ استعمارية صنعها الاقتصاد الاستعماري حين جعل من البلاد سوقاً للبضائع ومصدراً للخامات، فنشأت طبقةٌ وسيطةٌ تربط المحلي بالخارجي على حساب المجتمع.
ومن هنا كان موقف الفكر من الطبقية مزدوجاً:
رفضاً لوصف الواقع: إنكار أن التقسيمات الطبقية القائمة تعبّر عن طبيعة حقيقية للمجتمع؛ فهي تراتبيةٌ غريبة دخلت على الجسد القومي، لا تعبيرٌ عن حركةٍ داخلية.
إلغاءً للمستقبل: الطموح ليس تحقيق “عدالةٍ بين الطبقات” -فهذه الصيغة تشرعن بقاءها - بل تصفية التناقض الطبقي ذاته عبر عدالة التوزيع، وإلغاء الاستغلال، وتمكين الإنسان العربي من كرامة العمل والكفاف، حتى تنشأ - في التعبير النظري - “طبقةٌ واحدة” هي الأمة كلها: فلاحوها وعمالها ومثقفوها وأبناؤها على السواء، تتقاسمون الثروة كما نتقاسم الهوية.
فالمساواة عند البعث ليست سياسةً اقتصادية متخصصة، بل كمالٌ أخلاقي للكيان القومي: الأمة واحدة، فكيف يستقيم وحدانها العضوي ويقع بعض أبنائها فريسةً لبعض؟
خامساً: فلسفة التحرر: العلم مفتاح النهضة
يقوم الفكر البعثي على إدراكٍ مفاده أن الاستعمار شيءٌ مزدوج الأدوات، وحدٌ واحد فحسب: فأدواته العسكرية والسياسية ظاهرة، لكن أخطر أدواته الباطنة: تبعيةٌ اقتصادية تجعل الإنتاج الوطني تابعاً للسوق الخارجية، وتبعيةٌ ثقافية تزرع في النفس شعور الأدنى، وتجعل اللغة والتراث والضمير في موضع الاتهام، بينما يُحتكر العلم والتقدم للآخر.
والعلاج - في البنية النظرية - قسمان متلازمان لا ينفكان:
التحرر الوطني : وهو رفع السلطة الأجنبية، وهو -بحجم أهميته - ما لا يكفي وحده؛ فجيوش الاستعمار قد ترحل وتبقى أسواقُه ومناهجُه ومعاييرُه.
التحرر النهضوي: وهو بناء الإنسان العربي الجديد، ومحوره العلم. فالعلم في الفكر البعثي ليس ترفاً تعليمياً ولا وسيلةً إنتاجية بالمعنى الضيق، بل هو السلاح المحرِّر الوحيد في معركة التبعية: به تُسترد الثروة وتُدار، وبه تُصنع الصناعة فتنكسر التبعية الاقتصادية، وبه يستعيد الإنسان ثقته بعقله فينكسر التبعية النفسية، وبه يُحصَّن الضمير الوطني ضد الاختراق فتنكسر التبعية السياسية. ولهذا حمل الفكر شعاره البليغ: العلم عبادة؛ فالعبادة استعلاء الروح، والعلم استعلاء العقل، وكلاهما صراطُ الأمة إلى رحاب الاستقلال.
وبالتالي فإن فلسفة الارتقاء البعثية ليست فلسفة “لحاقٍ بالغرب” - فهذه نفسها صيغة تبعية - بل فلسفة استرداد الموضوعية: أن نكون فاعلين منتجين، لا متلقين مستهلكين.
سادساً: الاشتراكية البعثية والاشتراكية الماركسية : فرقٌ في الجوهر
والآن يأتي التمييز المفاهيمي الأشهر، وهو فارقٌ لا في الدرجة بل في الجنس المعرفي:
أولاً: الاشتراكية الماركسية نظريةٌ اقتصادية - تاريخية. فهي بناءٌ علمي - في زعم مؤسسها - يشتق قوانينه من تحليلٍ مادي للإنتاج: فالمجتمع مراحل تطورٍ محددة، والصراع الطبقي هو المحرك، والاشتراكية حتميةٌ تاريخية لا اختيارٌ أخلاقي، وامتدادها الطبيعي دولي: فالبروليتاريا لا وطن لها، والثورة عالمية أو ليست ثورة.
ثانياً: الاشتراكية البعثية نداءٌ قومي-أخلاقي. فهي ليست اكتشافاً لقانونٍ اقتصادي، بل قراراً حضارياً تتخذه أمةٌ لتستعيد عدالتها. وهذه الفروق تترتب عليها:
الإطار: ماركسيةٌ دولية تتجاوز الوطن؛ بعثيةٌ وطنية ترتكز إلى الأمة وتعتبر الاشتراكية شرطاً لقوتها.
المرجعية: ماركسيةٌ مادية، فالوعي نتاج البنية؛ بعثيةٌ روحية إرادية، فالنهضة ثمرةٌ هاديها الأمل والعقيدة قبل البنية.
الفاعل: ماركسيةٌ ثورية من أسفل، يقودها الطبقة الأكثر حرماناً؛ بعثيةٌ نهضوية من فوق، يقودها وعيُ النخبة القومية المنتمية لكل أبناء الأمة.
الملكية: ماركسيةٌ تلغي الملكية الفردية أداةً للإنتاج؛ بعثيةٌ تؤمم الثروة الكبرى والمرافق الحيوية وتصون الملكية الشخصية والخاصة الصغيرة - فالهدف كفايةٌ وعدالة، لا تصفيةٌ شاملة.
الطبقات: ماركسيةٌ تقرأ التاريخ صراع طبقات وتطمح لإلغاء الطبقات بإلغاء الطبقة المالكة؛ بعثيةٌ تنكر الطبقية أصلاً وتطمح لتصفية آثارها نحو “طبقةٍ واحدة” هي الأمة.
الدين: ماركسيةٌ - نظرياً - تعتبر الدين أفيوناً تاريخياً؛ بعثيةٌ تستوعب الدين حضارةً وروحاً، وتفصله تنظيمياً عن السلطة.
فخلاصة التمييز بليغة: الاشتراكية الماركسية انجليزية التحليل الاقتصادي، ألمانية الفلسفة الجدلية، فرنسية الحركة العمالية؛ أما البعثية فعربية الروح والمقصد - لم تستورد من كتب الغرب، بل استخرجت من وجع الأمة وأملها.
سابعاً: تحليل الشعار المفاهيمي: “وحدةٌ، حريةٌ، اشتراكية”
الشعار ليس قائمةً بلاغية بل بنيةً منطقية متدرجة، تسقط إحدى حلقاتها انهارت البنية كلها:
الوحدة أصلٌ وجودي: فالأمة العربية كيانٌ واحد في اللغة والتاريخ والمصير، والحدود السياسية الراهنة خطوطٌ اصطناعية مرسومة على جسدها. فالوحدة ليست تحالف دولٍ ولا تكتل مصالح، بل استعادةٌ لحالة الوجود الطبيعية.
الحرية كمالٌ سياسي: وهي حريةٌ مزدوجة الأوجه -من الخارج: استقلال القرار الوطني عن هيمنة الغريب؛ ومن الداخل: حرية الإنسان العربي من الخوف والفقر والجهل. فالوحدة بلا حرية طغيانٌ متّسع، والحرية بلا وحدة تشرذمٌ يُسهِّل الاختراق.
الاشتراكية غايةٌ اجتماعية: وهي الوجه الداخلي للحرية؛ فالإنسان حرٌّ بكرامته قبل أن يكون حراً بصوته، والكرامة لا تقوم في مجتمعٍ يستغل قسمًا من أبنائه ويحرم قسمًا آخر.
فالتسلسل يعني: الوحدة تجمع الكيان، والحرية تحرر الإنسان، والاشتراكية تعدل المجتمع -مثلثٌ مفاهيمي لا قائمة برامجية؛ فالشعار وصفٌ لهوية الأمة في حالة كمالها لا خطةً زمنية مرقّمة.
ثامناً: جذور العداء الغربي للفكر البعثي
لماذا يُعادى فكرٌ بهذا الحجم من الطرافة النظرية؟ الجواب أن العداء ليس لمفردات الفكر بل لمكانته في خريطة الصراع الحضاري، بثلاثة أسباب بنيوية:
إنكار التبعية نفسياً ونظرياً: الفكر البعثي يعلي -في قمته -من استقلال القرار العربي استقلالاً حاسماً، ويرى في التبعية بأي صورةٍ شكلاً من أشكال الاحتلال. فالدول الغربية التي بنت مصالحها التاريخية على هامشية القرار العربي، تجد في هذا الفكر -نظرياً -تهديداً لشرعية ترتيبها الإقليمي كله.
الموقف الحاسم من الصهيونية: البعث نظرياً من أكثر الفكر القومي العربي تشدداً في اعتبار الوجود الصهيوني في فلسطين غاصباً مرفوضاً؛ وهو موقفٌ يضع الفكر تلقائياً في خانة الخصوم الاستراتيجيين لحلفٍ غربي-صهيوني عريق.
الاستعمارُ الثقافي: أخطر أشكال العداء أن الفكر البعثي يهاجم “التبعية الفكرية” ذاتها -أي حق القوة الغربية في تعريف الحداثة والتقدم والمدنية -وهو اعتداءٌ على رأسمالٍ رمزي أثمن من النفط: سلطة تعريف العالم.
فالعداء الغربي للفكر البعثي ليس مزاجاً ولا مصادفة، بل ردُّ فعلٍ مفهوم من مركزٍ حضاري يرى في كل فكرٍ يسترد لأمته موضوعيتها معارضاً لهيمنته.
تاسعاً: الفكر البعثي والنقد: بين القابلية والأصالة
وهنا سؤالٌ منهجي ختامي: هل الفكر قابلٌ للمراجعة النظرية؟
والتمييز الدقيق أن الفكر البعثي - ببنيته - يحمل استعداداً مزدوجاً:
استعداد الانغلاق: فكثير من نصوصه صيغت بلغة العقيدة والنداء لا لغة الفرضية القابلة للنقض؛ والغيبة الحاضرة في أدبياته لشخص المؤسس تجعل النقد يحتاج - نفسياً وتنظيمياً - إلى شجاعةٍ إضافية.
استعداد الانفتاح: فالفكر في جوهره نقدي المنشأ قبل أن يكون مؤسِّساً؛ فهو في لحظة ولادته كان نقداً للاستعمار وللطائفية وللتبعية وللطغيان -أي إن أدواته المنهجية (التشكيك في المسلّمات، والرجوع إلى الأصل، والمطالبة بالموضوعية) أدوات نقدية قابلة -من حيث المنطق -لأن تُوجَّه إلى ذاتها. وهذه هي علة البقاء عند الأفكار الكبرى: أن تكون قواعدها أشرفَ من أن تُعفي صاحبها منها.
فالخلاصة النظرية: الفكر البعثي قابلٌ للمراجعة من حيث المبدأ، لأنه وُلد من النقد؛ وقابليته للمراجعة من حيث الممارسة الفكرية مشروطة بتحريره من التقديسية التي تلت تأسيسه - وهي معركةٌ نظرية مفتوحة، لا حُسمت ولا تُحسم إلا بفعل النقّاد.
خاتمة
هذا هو الفكر البعثي في صورته النظرية: دعوةٌ قومية حضارية لا عرقية، علمانية فصلٍ لا إلغاء، اشتراكية عدلٍ أخلاقية لا اقتصادية مادية، نهضوية تجعل العلم مفتاح التحرر من التبعية بأنواعها، موحِّدةٌ تجعل من الوحدة والحرية والاشتراكية مثلث وجودٍ واحد لا شعاراتٍ متجاورة. وسواءٌ أكان المرء من أنصاره أم من نقّاديه، فإن العدل العلمي يقتضي الاعتراف بأنه من أكثر المشاريع الفكرية العربية نصاعةً في سؤالها وجرأةً في طموحها: سؤالٌ واحدٌ مؤرِّخ لها جميعها - كيف تستعيد الأمة كيانها وإنسانها وكرامتها؟ - ومحاولة جوابٍ ظلت، في تنوّع تلاوينها، من أهم ما كتب العقل العربي الحديث في سياسة النهضة.
سيدي محمد التھامي
.




