مع الأسف، "نخبة الضباط السياسيين " ، في المؤسسة العسكرية الوطنية، الذين حكموا البلاد، بالتعاقب، منذ 1980 هم المسؤولون عما وصلت إليه البلاد من فوضى و عبثية و تفاهة: فوضى في نهب موارد الشعب التي تقاسمها( معهم و في ظلهم) الناهبون بطريقة نهب النمل للمبعثر من الحبوب إلى مستعمراته؛ فوضى في تمييع و تفكيك مفهوم الدولة ؛ فوضى في تتفيه القيم العليا للناس ؛ فوضى في المجال السياسي ؛ فوضى في مجال السمعيات البصرية، و في الاستخدام العهري لوسائط التواصل الاجتماعي، داخل البلاد و في دول المهجر ؛ فوضى في اعتبار القانون و إنفاذه ؛ فوضى في احترام عمل المؤسسات...
عبث في كل شيء و بكل شيء ... إنه لم يعد فيه شك أن البلاد في وضع وجودي مخيف للغاية جراء تراكم مفاعيل الفوضى الممنهجة على امتداد أكثر من أربعة عقود ، و العمل المقصود للقضاء على النخبة الوطنية و مُثُلِها و أساليب عملها بهدف تحييدها؛ و تغليب مجاميع النفاق و التفاهة و النذالة على واجهات البلاد السياسية و الإعلامية و الاقتصادية و الاجتماعية ...
و ها هو البلد، بفعل التخريب المنهجي، يتحلل أمام الجميع إلى بذاءات لفظية يومية بين الأفراد بلا ضابط و لا رقيب و لا حسيب ، و إلى شتائم بين القبائل و سباب بين الشرائح و الألوان و الجهات !
لقد هزمت مُثُلِ النخبة الوطنية شر هزيمة و انتصرت "قيم" الرداءة الوطنية؛ فأصبحت النهاية حتمية كما خطط لها...
و لكن يبقى من الوقت ما يكفي، قبل سبل الستار على مسرح العبث، لتسجيل المسؤولية الجنائية و الأخلاقية ، لصالح التاريخ و المؤرخين، عما آل إليه كيان سياسي يتلاشي بأيدي حكامه على إيقاع طبول الغوغاء الأميين و إنشاد المنافقين ، و كرنفالات التافهين ...
يوم ينهار كل شيء ، تنتعش الروايات : فكل فرد في الجوق العبثي سيروي " سرديته للأحداث" على هواه، و كل سيتحدث عن نفسه ، عن بطولاته، عن رفضه، عن نضاله ... سيقدمون أنفسهم جميعا للتاريخ في صفات مزيفة تجمع بين عظمة الشيخ ماء العينين في علمه و ثورته ضد الاستعمار الفرنسي و الاسباني، و فروسية الأمير حمادي ولد ادليل و لد المختار ولد بوسيف في علو فروسيته و شجاعته في معاركه، و الأمير بكار ولد اسويداحمد في مقاومته للنصارى و في واسع جوده و عبقرية تخطيطه، و سيدي أحمد ولد أحمدالعيده في عزة نفسه و قوة شخصيته، و محمد الحسن ولد أحمدو الخديم في زهده و ورعه ...
لقد سمعناهم ملائكة بعد كل نظام بائد و عشنا جرائمهم في كل نظام...!
سجلوا إذن روايتكم من الآن ، بأدلة الصوت و الصورة و المسيرات و الخطابات ... و منكر الأقوال و قبيح الأفعال، في من تقع عليه المسؤولية في إجهاض حلم الدولة في هذا المنكب المنكوب... ؟!
محمد االكوري ولد العرب




