هناك حقيقة سياسية واقتصادية لا يحب كثيرون الاقتراب منها: جزء كبير من الشباب الافريقي لم يعد يتعامل مع الهجرة باعتبارها خيارا من بين خيارات المستقبل، بل باعتبارها المستقبل نفسه.لم يعد السؤال عند كثير من الخريجين ماذا سأفعل في بلدي؟.اصبح السؤال: كيف اخرج منه؟،هذه النقلة في التفكير ليست تفصيلا اجتماعيا. انها مؤشر على ازمة اعمق في الدولة والاقتصاد والتعليم والثقافة السياسية.عندما يتخرج الشاب من الجامعة ثم يقضي سنوات في البحث عن وظيفة، بينما يرى شخصا اقل تأهيلا منه يحصل على فرصة بسبب القرابة او الانتماء السياسي او القدرة على دفع المال، فمن الطبيعي ان يبدأ في البحث عن مكان اخر.وعندما يرى الطبيب ان مستشفى بلده لا يستطيع توفير ظروف عمل مناسبة، والمهندس ان المشاريع الكبرى تذهب الى شركات لا تحتاج الى خبرته، والاستاذ الجامعي ان راتبه لا يعكس سنوات دراسته، والباحث ان الجامعة لا تمول البحث، والصحفي ان العمل المستقل قد يتحول الى مخاطرة، فمن الصعب اقناعه بأن مستقبله مرتبط بالبقاء. لا تكون الهجرة مشكلة الشباب وحدهم.تكون الهجرة شهادة على فشل النظام الذي جعل البقاء اقل جاذبية من الرحيل.في جنوب السودان تظهر هذه المسألة بصورة قاسية. الدولة حديثة الاستقلال، لكنها ما زالت تواجه ازمات عميقة في التعليم والخدمات والمؤسسات والاقتصاد. وتقدر تقارير حديثة ان نحو 72% من السكان بين 18 و35 عاما، بينما يتجاوز معدل بطالة الشباب 18.5%. كما يشير تحليل للنظام التعليمي الى ان نحو نصف الاطفال خارج المدرسة، وان اقل من ربع الملتحقين يكملون التعليم الابتدائي.لكن الارقام وحدها لا تشرح المأساة.المشكلة ان الدولة التي يفترض ان تحول هذه الكتلة الشبابية الى قوة انتاجية لم تنجح في بناء اقتصاد قادر على استيعابها.
وعندما تضيف الى ذلك الفساد وضعف المؤسسات والصراع السياسي، يصبح السؤال اكثر قسوة: كيف يمكن لدولة ان تحتفظ بكفاءاتها وهي لا توفر البيئة التي تجعل الكفاءة ذات قيمة؟.تقارير حقوقية حديثة تحدثت عن فساد منهجي في جنوب السودان وتأثيره في الخدمات العامة والتعليم، وربطت بين نهب الموارد والصراع والاستبعاد من الخدمات.لا يعود الفساد مجرد سرقة للمال العام الفساد يصبح سرقة للمستقبل.عندما يذهب المال الذي كان يمكن ان يبني مدرسة الى حسابات خاصة، فالمسروق ليس المال وحده. المسروق هو تعليم طفل.وعندما لا تصل الموارد الى المستشفى، لا تضيع ميزانية فقط. تضيع حياة.وعندما يحصل شخص على وظيفة لانه قريب لمسؤول بينما يذهب خريج اخر الى المطار بحثا عن فرصة، فان المحسوبية لا تقتل مبدأ العدالة فقط، بل تدفع الكفاءات الى الخارج.وهذه هي النقطة التي ينبغي ان تفهمها الحكومات الافريقية: هجرة الكفاءات ليست دائما ظاهرة منفصلة عن الحكم.احيانا تكون نتيجة مباشرة له السودان يقدم صورة مختلفة واكثر مأساوية.منذ اندلاع الحرب في ابريل 2023 تعرض التعليم والاقتصاد والبنية المؤسسية لضربة ضخمة. ووفقا لليونسكو، كان هناك نحو 17 مليون طفل في سن الدراسة في اغسطس 2025، ولم يعد الى المدارس سوى نحو ثلاثة ملايين، بينما اعيد فتح اقل من ثلث المدارس.وتشير دراسات حديثة الى ان الحرب تسببت كذلك في هجرة اعداد كبيرة من الاكاديميين والطلاب، وان اكثر من مئة جامعة تعرضت لاضرار جسيمة او دمار خلال الاشهر الاولى من النزاع.في السودان، لا يمكن اختزال الهجرة في البحث عن راتب افضل. هناك انسان يهرب من الحرب، وطالب يبحث عن جامعة مفتوحة، وطبيب يبحث عن مستشفى آمن، واسرة تبحث عن مكان تستطيع فيه ان تعيش لكن الحرب لا تخلق فقط لاجئين انها تخلق فراغا معرفيا.عندما يغادر الاستاذ والباحث والطبيب والمهندس، تصبح عملية اعادة بناء الدولة بعد الحرب اكثر صعوبة.الحرب تدمر الحجر بسرعة، لكنها تحتاج سنوات طويلة لتدمير الانسان. والاسوأ ان السودان كان يمتلك تاريخا تعليميا ومهنيا واسعا، ومع ذلك وجد جزء كبير من هذا الرصيد نفسه خارج البلاد.
اما نيجيريا، فهي تكشف مفارقة اخرى بلد ضخم، وموارد هائلة، وسكان شباب، وقطاع خاص واسع، وجامعات كثيرة، ومع ذلك يشعر عدد كبير من الشباب بأن الاقتصاد لا يمنحهم المسار الذي يتناسب مع طموحاتهم.تظهر بيانات Afrobarometer المنشورة في 2025 ان 23% من الشباب النيجيريين المشاركين في الاستطلاع قالوا انهم عاطلون ويبحثون عن عمل، كما تضاعف تقريبا عدد الشباب الذين فكروا كثيرا في الهجرة منذ 2017 الى ثلاثة اضعاف. وكان توفير الوظائف هو اول ما طلب الشباب من الحكومة زيادة الاستثمار فيه هذه ليست مشكلة شعب كسول. وهي ليست ايضا مشكلة حكومة وحدها انها مشكلة نموذج اقتصادي.اذا كان الاقتصاد لا يستطيع خلق فرص تتناسب مع عدد الداخلين الجدد الى سوق العمل، فستتحول الشهادة الجامعية الى وثيقة انتظار.ثم يبدأ الشاب في اكتشاف ان الشهادة لا تكفي يحتاج الى خبرة. والخبرة تحتاج الى وظيفة والوظيفة تحتاج الى فرصة والفرصة قد تحتاج الى واسطة وهكذا تتحول الدائرة الى فخ في نيجيريا ايضا يفضل 60% من الشباب المشاركين في الاستطلاع تأسيس اعمالهم الخاصة عندما تتاح لهم الخيارات، بينما طلبوا ان يكون خلق الوظائف وتمويل المشاريع والتدريب والتعليم من اولويات الانفاق الحكومي.هذه الارقام تقول شيئا مهما: الشباب لا يريدون بالضرورة ان تكون الحكومة هي رب العمل هم يريدون بيئة يستطيعون فيها صناعة العمل.ويظهر الفرق بين الدولة التي تفكر في الشباب باعتبارهم ناخبين، والدولة التي تنظر اليهم باعتبارهم قوة انتاج.
غانا تقدم نموذجا اخر.هناك توسع واضح في التعليم، لكن سوق العمل لا يتحرك بالسرعة نفسها. تشير بيانات رسمية عرضتها وزارة تنمية الشباب والتمكين الى ان معدل بطالة الشباب ارتفع من 16.9% في 2017 الى 22.5% في 2022، وان نحو 70% من العاطلين ينتمون الى الفئة العمرية 15 الى 35 عاما. كما تشير الوزارة الى ان نحو 400 الف شاب يدخلون سوق العمل سنويا بمستويات مهارية مختلفة، مع استمرار فجوة بين التعليم واحتياجات السوق.وتظهر بيانات Afrobarometer ان ثلاثة ارباع الشباب الغانيين تقريبا لديهم تعليم ثانوي او بعد الثانوي، لكن نحو ثلثهم قالوا انهم يبحثون عن عمل. كما ان نقص الوظائف وعدم ملاءمة التدريب والتعليم لاحتياجات السوق من اهم العقبات التي ذكرها الشباب.تفشل النظرية التي تقول ان التعليم وحده يصنع التنمية.التعليم مهم، لكنه لا يعمل في فراغ يمكنك ان تخرج مليون شاب من الجامعة، لكن اذا لم تبن الاقتصاد الذي يحتاج الى هؤلاء الشباب، فستنتج اعدادا اكبر من حملة الشهادات الباحثين عن فرصة ثم تبدأ النخبة في اتهام الشباب بالكسل.هذه اسهل طريقة للهروب من المسؤولية يقال للشاب: لا تريد العمل.لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: اين العمل؟ يقال له: لا تمتلك خبرة.لكن كيف يحصل على الخبرة اذا كانت المؤسسات تريد شخصا لديه خبرة قبل ان تمنحه اول فرصة؟ يقال له: ابدأ مشروعا.لكن هل يستطيع الحصول على التمويل؟ وهل القوانين تسمح له؟ وهل السوق قادر على استيعاب مشروعه؟ وهل المنافسة عادلة؟
هنا يصبح خطاب تمكين الشباب مجرد شعار اذا لم يصاحبه اصلاح اقتصادي ومؤسسي.كينيا بدورها تقدم مفارقة مهمة. فالشباب الكيني اكثر تعليما من الاجيال الاكبر، لكن 43% من الشباب الذين شملهم استطلاع Afrobarometer قالوا انهم يبحثون عن عمل، واكثر من اربعة من كل عشرة قالوا انهم فكروا في الهجرة، وكان البحث عن العمل والهروب من الضغوط الاقتصادية من اهم الاسباب.وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومة الكينية تتعامل مع الهجرة العمالية كجزء من استراتيجيتها للتعامل مع البطالة. وفي 2024/2025 عمل اكثر من 103,800 كيني في الخارج، وفقا لمنظمة العمل الدولية، وحولت العمالة المهاجرة مليارات الدولارات الى البلاد.هل تريد الدولة خلق وظائف داخلية، ام انها بدأت تتعامل مع تصدير العمالة كجزء من الحل؟ الهجرة يمكن ان توفر دخلا للاسر وتحويلات مالية للدولة، ولا ينبغي تجاهل فوائدها.لكن هناك خطا فاصلا بين ان تكون الهجرة خيارا منظما، وبين ان تصبح بديلا عن بناء الاقتصاد المحلي.اذا اصبح افضل مشروع حكومي للشباب هو مساعدتهم على الحصول على وظيفة خارج البلاد، فعلينا ان نسأل سؤالا بسيطا من سيبني الاقتصاد داخل البلاد؟ المشكلة لا تتعلق بالحكومات وحدها.هناك النخب ايضا.النخبة السياسية التي تستعمل الشباب في الانتخابات ثم تنساهم بعد الوصول الى السلطة.النخبة الاقتصادية التي تطلب خريجين مؤهلين لكنها لا تريد الاستثمار في تدريبهم.النخبة الاكاديمية التي تدافع عن مناهج قديمة ثم تتساءل لماذا لا يجد الخريجون وظائف.والنخبة الاجتماعية التي تربي ابناءها على البحث عن وظيفة حكومية ثم تتحدث عن ريادة الاعمال.
ثم تأتي القبيلة في بعض الدول، لا تزال الهوية القبلية تؤثر في الوصول الى السلطة والوظيفة والموارد والعلاقات العامة. وعندما يشعر المواطن ان فرصته تعتمد على اسم عائلته او قبيلته، تتراجع قيمة الكفاءة.هذه ليست مشكلة افريقية واحدة، ولا يمكن تعميمها على كل الدول او المجتمعات.لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول الهوية الاجتماعية الى اداة لتوزيع الدولة.عندها لا يسأل النظام: ماذا يستطيع هذا الشاب ان يفعل؟ يسأل: من وراء هذا الشاب؟ وهذا السؤال قادر على تدمير مؤسسة كاملة.لان الدولة التي توظف الولاء بدلا من الكفاءة ستنتج مؤسسات ضعيفة. والمؤسسات الضعيفة ستنتج اقتصادا ضعيفا.والاقتصاد الضعيف سيدفع الشباب الى البحث عن الخارج.ثم ستشتكي الدولة من هجرة الكفاءات.هذه ليست دائرة غامضة.انها سلسلة يمكن رؤيتها بوضوح المحسوبية تضعف المؤسسة. ضعف المؤسسة يضعف الاقتصاد ضعف الاقتصاد يقلل الوظائف. قلة الوظائف ترفع البطالة البطالة تدفع الى الهجرة الهجرة تستنزف بعض المهارات.استنزاف المهارات يصعب بناء المؤسسات.ثم تبدأ الدورة من جديد لكن هناك مشكلة ثقافية ايضا.المجتمع الافريقي نفسه بدأ احيانا ينظر الى الخارج باعتباره الحل النهائي.اصبح قريب العائلة الذي يعيش في لندن او دبي او تورنتو رمزا للنجاح، بينما الشاب الذي بدأ مشروعا في مدينته قد ينظر اليه باعتباره لم ينجح بما يكفي.هذه العقلية تحتاج الى مراجعة.ليس لان الهجرة سيئة، بل لان المجتمع الذي يقيس قيمة الانسان بقدرته على مغادرة بلده يفقد ثقته بنفسه.
نحن بحاجة الى ثقافة تقول للشاب: يمكنك ان تسافر، لكن يمكنك ايضا ان تبني يمكنك ان تهاجر، لكن لا تجعل الرحيل عقيدتك الوحيدة يمكنك ان تعمل في الخارج، لكن لا تنس ان خبرتك يمكن ان تعود الى مجتمعك.لكن لا يمكن مطالبة الشباب بهذا وحده. على الدولة ان تتغير ايضا.لا يمكن ان تطلب من الطبيب البقاء بينما توفر له دولة اخرى راتبا افضل وبيئة مهنية اكثر استقرارا.لا يمكن ان تطلب من المهندس البقاء بينما المشاريع الكبرى لا تمنحه فرصة.لا يمكن ان تطلب من الباحث ان يبقى بينما الجامعة لا توفر له مختبرا ولا يمكن ان تطلب من الصحفي ان يدافع عن الوطن بينما لا تحمي حقه في العمل المستقل الوطن ليس مجرد حدود جغرافية الوطن عقد بين المواطن والدولة المواطن يعمل ويدفع الضرائب ويحترم القانون ويشارك في المجتمع.والدولة توفر الامن والعدالة والخدمات والفرص وتحمي الحقوق.عندما ينهار هذا العقد، تبدأ الهجرة ولهذا فان السؤال الحقيقي ليس: لماذا يريد الافريقي الهجرة؟ السؤال هو: لماذا جعلت بعض الدول الافريقية الهجرة تبدو اكثر عقلانية من البقاء؟جنوب السودان لا يحتاج فقط الى وقف هجرة شبابه. يحتاج الى بناء مؤسسات تجعل الشاب يرى مستقبله داخل بلده.السودان لا يحتاج فقط الى عودة الكفاءات. يحتاج الى سلام يعيد فتح الجامعات والمستشفيات والاقتصاد.نيجيريا لا تحتاج فقط الى اقناع الشباب بالبقاء. تحتاج الى اقتصاد يخلق وظائف تتناسب مع حجم سكانها وطموحاتهم غانا لا تحتاج فقط الى المزيد من الخريجين. تحتاج الى ربط التعليم بسوق العمل.وكينيا لا تحتاج فقط الى تصدير العمالة الى الخارج. تحتاج ايضا الى التأكد من ان الهجرة خيار اقتصادي منظم وليس نتيجة انسداد الفرص الداخلية.الافريقي لا يكره وطنه بالضرورة.وفي كثير من الحالات، هو يحب وطنه لكنه لا يثق في مستقبله داخله.وهذه نقطة مختلفة تماما. الذي يغادر قد يكون اكثر وطنية من الذي يتهمه بالخيانة.لان الوطن لا يقاس بعدد الصور التي يلتقطها المواطن امام العلم، ولا بعدد الخطب التي يلقيها السياسي عن الوطنية.الوطن يقاس بما يستطيع المواطن ان يفعله داخله.اذا استطاع ان يتعلم، ويعمل، ويؤسس شركة، ويكتب، ويبحث، ويعارض، وينتقد، ويعيش بكرامة، فهناك سبب للبقاء.اما اذا كانت الكفاءة بلا فرصة، والشهادة بلا وظيفة، والموهبة بلا مؤسسة، والحق بلا حماية، والمال العام بلا رقابة، والوظيفة مرتبطة بالولاء، فلا ينبغي ان نتفاجأ عندما يصبح المطار اكثر جاذبية من البرلمان.
الهجرة ليست المشكلة كلها.المشكلة ان بعض الحكومات والنخب جعلت الهجرة تبدو كأنها الحل الوحيد.وتقع المسؤولية السياسية الحقيقية ليس المطلوب ان نمنع الافريقي من السفر.المطلوب ان نبني افريقيا التي يستطيع الانسان ان يغادرها اذا اراد، لا التي يضطر الى مغادرتها حتى يستطيع ان يعيش.لان القارة التي تخسر ابناءها واحدا بعد اخر لا تخسر ايدي عاملة فقط.انها تخسر الاطباء الذين كان يمكن ان يعالجوا مرضاها، والمهندسين الذين كان يمكن ان يبنوا طرقها، والمعلمين الذين كان يمكن ان يربوا اجيالها، والباحثين الذين كان يمكن ان يحلوا مشكلاتها، ورجال الاعمال الذين كان يمكن ان يستثمروا فيها، والصحفيين الذين كان يمكن ان يراقبوا سلطتها.ويصبح السؤال اكثر قسوة اذا كان افضل ابناء القارة يرون مستقبلهم خارجها، فهل المشكلة في طموحهم؟ ام في القارة التي لم تعرف كيف تحول طموحهم الى قوة لبنائها؟ الاجابة لا تحتاج الى خطب وطنية.تحتاج الى دولة افضل، وتعليم افضل، واقتصاد اكثر انتاجا، ومؤسسات اقل فسادا، وسياسة اقل اعتمادا على القبيلة والولاء، ومجتمعا لا يعتبر الهروب من الوطن هو الشكل الوحيد للنجاح.عندها فقط تصبح الهجرة حرية.اما عندما تكون الهجرة الطريق الوحيد امام الانسان، فهي ليست حرية كاملة.انها نتيجة.
#زكريا_نمر




