شنقيط ليست مجرد مدينة عريقة تسكن كتب التاريخ، ولا مجرد ذاكرة معلقة على جدران الماضي؛ إنها وطن صغير داخل الوطن، اختزلت في حجارتها وقصصها وواحاتها جزءًا من ذاكرة موريتانيا، ولذلك فإن الحديث عن مستقبلها ينبغي أن يكون أكبر من الحسابات الضيقة، وأوسع من أي انتماء اجتماعي أو فئوي.
لقد عاشت شنقيط، خلال السنوات الأخيرة، حراكًا تنمويًا مهمًا، وتحققت فيها مشاريع طال انتظارها، كان من أبرزها طريق أطار–شنقيط، إلى جانب مشاريع في المياه والكهرباء والسياحة والدعم الاجتماعي، وهي مكتسبات تستحق التثمين والبناء عليها.
وجاءت زيارة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى المدينة ولقاؤه بأطرها ووجهائها، فرصة للاستماع إلى مطالب السكان وتطلعاتهم، ومناسبة أخرى لفتح النقاش حول مستقبل شنقيط وما تحتاجه من تنمية وخدمات ومشاركة أوسع في صناعة القرار المحلي.
لكن التنمية لا تُقاس فقط بعدد الطرق والمنشآت والمشاريع؛ فهناك تنمية أخرى لا تقل أهمية، هي تنمية الإنسان، وترسيخ المواطنة، وتوسيع دائرة المشاركة، وإشعار كل مواطن بأن مدينته تتسع له وأن صوته مسموع فيها.
ومن هنا تأتي مسألة مشاركة أبناء شريحة الحراطين في الحياة العامة في شنقيط.
إن الحديث عن هذه المسألة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى إقصاء أحد، ولا محاولة لخلق خصومة بين أبناء المدينة، ولا مطالبة بحقوق على حساب حقوق الآخرين. على العكس تمامًا؛ إن جوهر المطالبة هو أن تكون المواطنة هي المعيار، وأن يكون الانتماء إلى شنقيط والوطن هو الجامع، وأن تتاح لكل أبنائها فرص متكافئة في المشاركة والحضور وخدمة المدينة.
فلا يليق بشنقيط، بتاريخها العلمي والحضاري والإنساني، أن يشعر أي واحد من أبنائها بأنه خارج المشهد، أو أن مكانته الاجتماعية تحدد مسبقًا حجم حضوره في الشأن العام.
شنقيط أكبر من أن تُختزل في جماعة، وأعرق من أن تُدار بمنطق الاحتكار، وأجمل من أن يتحول اختلاف أبنائها إلى سبب للتباعد بينهم.
والأهم أن التمثيل العادل لا يعني أن يأخذ أحد مكان أحد؛ بل يعني أن يجد الجميع مكانهم.
لقد كان من المؤسف، في سياق هذه الزيارة الرئاسية وما رافقها من لقاء بالأطر والوجهاء، أن يثار شعور لدى بعض أبناء المدينة بأن جزءًا من أطرها وكفاءاتها لم يحظ بالحضور الذي يستحقه. وهذه ليست مسألة ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية مع من تصدروا المشهد، وإنما إلى سؤال هادئ ينبغي أن يطرحه أبناء شنقيط على أنفسهم:
هل نريد مدينة تُدار بمنطق من سبق إلى الواجهة، أم مدينة تتسع لكل كفاءاتها وأبنائها؟
إن المسؤولية هنا جماعية، ولا ينبغي تحميلها لشخص أو فئة بعينها. فالمشهد العام ملك للمدينة، وليس ملكًا لمن يتصدره في لحظة معينة.
نحن بحاجة إلى تجاوز عقلية "من يمثل شنقيط؟" إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف تمثل شنقيط نفسها بكل أبنائها؟
فالمدينة التي تريد أن تنهض اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا، وتستعيد مكانتها التاريخية، تحتاج إلى كل طاقاتها: إلى علمائها، وأطرها، وشبابها، ونسائها، ورجال أعمالها، وكفاءاتها في الداخل والخارج، وإلى جميع مكوناتها الاجتماعية دون استثناء.
ولا يمكن أن تكون المواطنة كاملة في الخدمات والتنمية، ثم ناقصة في المشاركة والتمثيل.
إن أبناء الحراطين في شنقيط ليسوا ضيوفًا على مدينتهم، كما أن غيرهم ليسوا ضيوفًا عليها؛ الجميع أبناء مدينة واحدة، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير والمستقبل.
ومن حق كل مواطن أن يقول: أريد أن أكون حاضرًا.
ومن حق المدينة أن تقول: أريد أن أستفيد من جميع أبنائي.
ومن حق الدولة أن تطلب من الجميع أن يعملوا معًا لبناء موريتانيا أكثر عدلًا وتكافؤًا، وهي قيمة انسجمت أيضًا مع الرسالة التي أكدها رئيس الجمهورية خلال لقائه بأطر ووجهاء شنقيط، حين ربط التنمية بالحد من الفوارق وتعزيز قيم المواطنة والتعليم الشامل.
لذلك، فإن رسالتنا ليست ضد أحد، ولا ينبغي أن تكون كذلك.
نحن لا نريد إقصاء من كان حاضرًا، وإنما نريد حضور من غاب.
لا نريد أن نأخذ مكان أحد، وإنما نريد أن يكون لكل واحد مكانه.
لا نريد تقسيم شنقيط إلى مكونات متنافسة، وإنما نريد شنقيط التي يكون فيها الاختلاف مصدر غنى، والتنوع مصدر قوة، والمواطنة مظلة للجميع.
شنقيط الحبيبة لا تخسر حين يتقدم أحد أبنائها؛ بل تخسر حين يُترك أحد أبنائها خلف الركب.
وإذا كان تاريخ شنقيط قد جعل منها منارة علم وحضارة، فإن مستقبلها لن يُبنى إلا بمنطق أوسع: منطق العدالة، والمشاركة، والكفاءة، والمواطنة.
فلتكن رسالتنا اليوم واضحة وهادئة:
شنقيط للجميع، والكرامة للجميع، والمشاركة حق للجميع.
ومن أراد أن يخدم شنقيط حقًا، فليفتح الباب أمام جميع أبنائها، لا أن يغلقه في وجه بعضهم.
فمدينة بحجم تاريخ شنقيط لا ينبغي أن يكون فيها أحدٌ زائدًا عن الحاجة، ولا أحدٌ ناقصًا عن الحق.
عبدالله محمد ولد الحيمر




